صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

280

تفسير القرآن الكريم

وكسوتها إياها ، فيؤثر في استحالة الهواء إلى الغيم ، وحدوث الأمطار ، وحصول الطوفانات ، واستهلاك أمة فجرت وعتت عن أمر ربها ورسله ، واستشفاء المرضى ، واستسقاء العطشى ، وخضوع الحيوانات . وهذا أيضا غير مستحيل لما قد علمت إن الأجسام مطيعة للمجردات ، بل هي ظلال لها وعكوس منها ، فكلما ازدادت النفس تجردا وتشبّها بالمبادي القصوى ازدادت قوة وتأثيرا في ما دونها ، وإذا صادقت أن مجرد التصور والتوهم يحدث هذه التغيرات والانفعالات في هيولى البدن وليس ذلك لكون النفس ملاصقة بالبدن منطبعة فيه ، بل لتعلق قهري وارتباط عليّ ( عقلي ) وعلاقة شوقية لها به ، فلا تتعجب من نفس شريفة قوية تؤثر في بدن الغير وفي هيولى العالم مثل هذا التأثير ، لأجل مزيد قوة شوقية ، واهتزاز علوي ، ومحبة إلهية لها وشفقة لها على خلق اللّه شفقة الوالد لولده والام لولدها ، فيؤثر نفسه في إصلاحها وإهلاك ما يضرها والمجاهدة مع ما يفسدها . وكما إن الخاصية الثانية توجد بوجه غير مرضي ولا محمود في نفوس الأشرار ، فكذا هذه الخاصية يوجد شيء منها في بعض النفوس القوية من غير تأله ولا معرفة ، بل لشدة قوته التأثيرية قد يتعدى تأثيرها في بدن آخر حتى يفسد الروح بالتوهم ، ويعبّر عن هذا بإصابة العين . كما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم إنه قال : « العين يدخل الرجل القبر ، والجمل القدر » وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم أيضا : « العين حق » « 1 » فإذا كان هذا النحو من التأثير - أي بدون آلة جسمانية - ممكنا في حق الأشرار ، فما ظنك بنفوس عظيمة شديدة القوة شديدة البراءة عن المواد ، كيف لا يتعدى تأثيرها عن بدنها وعالمها الصغير إلى غيره فيؤثر في هيولى العالم تأثيرها في بدنه ، ومثل هذا يعبّر بالكرامة والمعجزة عند الناس .

--> ( 1 ) الجامع الصغير : باب العين ، 1 / 70 .